منشورات الفيسبوك 14 Mar 2026

في عام 2008 كنت أقضي خدمتي الإلزامية في قاسيون بدمشق واثناء عودتي الى الرقة لقضاء اجازة قصيرة في إح...

في عام 2008 كنت أقضي خدمتي الإلزامية في قاسيون بدمشق واثناء عودتي الى الرقة لقضاء اجازة قصيرة
في إحدى الرحلات توقف الباص في استراحة قبل حمص. كانت استراحة عادية على طريق طويل ضجيج خفيف رائحة قهوة سريعة دخان سجائر يتسلل في الهواء،وناس يحاولون اقتناص دقائق راحة بين مدينتين
جلست على طاولة خشبية قديمة بعد قليل جلس إلى جانبي شاب نحيل بملامح متعبة تبادلنا السلام وبعض الكلمات الخفيفة التي يبدأ بها الغرباء حديثهم ثم انضم إلينا رجل ثالث هادئ الملامح يحمل كوب شاي ويبدو عليه الإرهاق كأنه قطع طريقاً أطول مما يحتمله الجسد
كنا ثلاثة غرباء جمعتنا طاولة في استراحة طريق
لم تمض دقائق حتى اقترب منا رجل رابع كان مختلفاً قليلاً عنا. ملابسه أنيقة بطنه يسبقه بخطوة ورائحة عطره واضحة. جلس بثقة من اعتاد السفر والعمل بين المدن كالعادة بدأ الحديث بالسؤال الأبدي من أين؟ وإلى أين؟
قال الرجل الأنيق وهو يشعل سيجارة
أنا ذاهب إلى رميلا أعمل هناك في حقول النفط. انتهت إجازة العيد ويجب أن أعود للعمل
هززنا رؤوسنا ثم التفت إليه وسأل الشاب النحيل
وأنت؟ إلى أين؟
أجاب بصوت خافت إلى دمشق ابتسم الرجل الأنيق وسأله
للعمل؟
قبل أن يجيب تدخل الرجل الثالث بهدوء كأنه يشرح أمراً صار جزءاً من حياته
لا نحن في الباص القادم من الجزيرة أغلب من فيه مرضى لدينا مواعيد في مشافي دمشق
توقف قليلاً ثم قال جلسات كيماوي.
في تلك اللحظة فقط التفت جيداً إلى الركاب الذين كانوا يجلسون قرب باصهم
وجوه شاحبة أجساد هزيلة ورؤوس كثيرة بلا شعر.
ساد صمت ثقيل على الطاولة
قال الرجل الثالث بعدها وكأنه يضيف تفصيلاً يعرفه جيداً
نقطع كل هذا الطريق لأن منطقتنا رغم كل النفط الذي يخرج من أرضها لا يوجد فيها حتى مشفى يعالج مرضى السرطان
نضطر أن نأتي إلى دمشق كل مرة سفر طويل وإقامة وطعام… وكلها مصاريف فوق تعب المرض
في تلك اللحظة شعرت أن المشهد كله يحمل مفارقة موجعة
باص قادم من الجزيرة يحمل مرضى أنهكهم المرض وطول الطريق
وباص آخر يحمل موظفين عائدين إلى العمل في حقول النفط هناك
النفط نفسه الذي يخرج من أرضه
لم يصل لأهلها منه إلا الدخان والمرض وطريق طويل إلى دمشق من أجل جرعة كيماوي مرت سنوات طويلة منذ تلك الاستراحة
لكن تلك الطاولة وتلك الدقائق ما زالت في ذاكرتي
كأنها اختصرت حكاية ظلم كاملة في أربعة كراس وباصين على جانب الطريق.
📤 شارك المنشور: